السيد محمد الصدر

54

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قلنا : إن ذي المقدمة لما لم يكن واجبا ، لم تكن المقدمة واجبة . وهنا ليست الاستعاذة إلزامية في نفسها . ولا يحتمل وجوبها في الارتكاز المتشرعي ، فلا يكون النطق بها واجبا أيضا . وهذا قرينة على أن ( قل ) ليست للوجوب ، وإنما هي للحكم الوضعي أو للاستحباب أو لجامع المطلوبية بعنوان إظهار الضعف والخضوع أمام اللّه سبحانه . قال اللّه تعالى « 1 » : وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً . إذن ، ففعل الأمر هذا لا يدل على الوجوب من الناحية الفقهية . وإن كان دالا عليه من الناحية الأخلاقية . فإن قلت : إن قراءة السورة والاستعاذة بها مقدمة لدفع الخطر فينبغي أن نحمل ( قل ) على الوجوب لا على الاستحباب . قلت : جواب ذلك من عدّة وجوه : الوجه الأول : إن هذا يختص بالخطر الواجب الدفع . وهو المتصف بأمرين : أن يكون داهما وعظيما وأن يكون ممكن الدفع . وليس كل خطر ممكن الدفع على أي حال . فإذا لم يكن الخطر كذلك لم يكن واجب الدفع . فلا تكون مقدمته وهي الاستعاذة واجبة . الوجه الثاني : يختص الوجوب - على تقدير ثبوته - بما إذا كانت قراءة السورة مؤثرة في دفع الخطر عنه . وذلك فيما إذا كان الإنسان بدرجة عالية من درجات اليقين . وأما لو كانت قراءته لها غير مؤثرة ، كما هو الحال في أغلب الناس ، فلا تكون مقدمة لدفع الخطر ، فلا تكون قراءتها واجبة . الوجه الثالث : إنه بعد التنزل عن الوجهين السابقين ، قلنا إن ( قل ) هي لجامع المطلوبية ، فإن استعملت للحصة الاستحبابية كانت مصداقا للجامع ، وإذا استعملت بالحصة الوجوبية كانت مصداقا له أيضا . وكلاهما استعمال حقيقي بنحو الاشتراك المعنوي ، وليس بنحو الاشتراك اللفظي . ونظيره من القرآن قوله تعالى « 2 » : إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ .

--> ( 1 ) الفرقان / 3 . ( 2 ) المائدة / 6 .